التاريخ : 2015-01-13
الأردن ..الدولة القادمة
الراي نيوز .هبوب الجنوب
الفاخوري غاب عن القصر نهائيا , وتم إستبداله بجعفر حسان ....الأولى شخصية جدلية حاولت خلق دور ونفوذ لكنها فشلت , والإستبدال لايتم عبثا فالقصر له قرائته وشروطه ومعطياته أما الثانية فهي شخصية سلسة , لا تتعدى حدود المطلوب منها أبدا ..شخصية حسان هادئة وبسيطة ولايوجد في جعبتها أجندة .
وثمة شخصية أخرى مهمة ,لها مواصفات واضحة , وهي شخصية الطراونه , الضالعه في فهم البيروقراط , والشخصية الممتلئة سياسيا , القادرة على رؤية الأحداث الدولية من زاوية الخبرة ...والان لاينضم الشوبكي بشخصه أو الزبن بشخصه فقط بل تنضم المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية , إلى الديوان الملكي ليشكل هذا الثالوت ...معا مفتاحا مهما , في ترجمة توجه الدولة ودورها .
الشخصيات الثلاث الشوبكي والطراونه والزبن هي نتاج عهدين , بمعنى اخر برزت في عهد الحسين وظلت في عهد عبدالله بن الحسين , وقد تجاوزت الستين من العمر وهي تؤمن , بأبوية الدولة ...وتفهم المسار التاريخي للدولة والأهم من كل ذلك أنها شخصيات نادرا ما تظهر على الإعلام أو تتعاطى معه , أي أنها قليلة التصريح ...لاحظوا الزبن ظهر مرة في مؤتمر صحفي , الشوبكي لم يستقبل صحفيا في حياته , والطراونه يظهر فقط خلف الملك ...
هناك شخص اخر في المشهد , شخص سبعيني كان نائب رئيس وزراء , في عهد الحسين – رحمه الله – وهو الان رئيس وزراء , والمهمة الأساسية التي عاني منها هي إعادة الهيبة للبيروقراط ولموقع رئاسة الوزراء وقد نجح في ذلك بالرغم من ضعف كادره وتلكؤهم ....إلا أنه بنفس شروط الثالوت وبنفس مواصفاته .
هذا يعني ببساطة , مؤهلات عماد فاخوري وتياره ..ليست هي المطلوبة للمرحلة وهذا يعني أن الدولة الان عادت ..إلى تحالفها القديم , والذي لايعني أبدا مايسميه التيار الليبرالي أنها عادت( للحرس القديم) بل عادت للشيب والخبرة .
تعيين الشوبكي والزبن مستشارين , لايقرأ من زاوية سطحية تعني التخلي عنهما هو يقرأ من زاوية , إمتزاج الأمني بالعسكري بالسياسي , هو يقرأ من زاوية إكمال التعديلات الدستورية الأخيرة ...وإعادة دور المؤسسة الأمنية والعسكرية في المطبخ كون القرار السياسي , يصبح قاصرا إن لم يمتلك المعلومة العسكرية أو الإستخبارية ...
وبعد إجراء هذه التعديلات يطير الملك لفرنسا ,واثناء المسيرة في اللحظة التي ينظر فيها للخلف يقفز مرافقه أمين القطارنه ويخترق كل صفوف القادة , يسأله الملك عن أمر ثم يجيب ويختفي بين الجموع , لا يقيم وزنا للصفوف ...وتحتك كتفه بكتف قائد غربي , المهم في المعادلة أن يبقى قريبا من الملك ....هل لاحظ أحد ذلك ؟
الحكومة هنا مشغولة بالأدوار الخدمية , لا تتحدث عن السياسة ..فوزير يصر على إستئجار الاليات واخر يهدد بالعقوبات ....
الأردني جسور قوي منطلق لا يهاب أحدا , والفتى البدوي الأسمرالقطارنه قفز مثل الحصان بين الصفوف تلقى ملاحظة الملك ثم عاد , وفي لجة المسيرة لم تفارق عينيه الملك ...يزاحم , يخترق الصفوف ...ويتصدر , هل هي ميزة لهذا المرافق أم صورة عن الأردني الشرس المقاتل .
فرنسا تخترق منظومتها الأمنية والإستخبارية , وتقع في أزمة مواطنة , وتضرب في عقر دارها والعالم لم يكن في مسيرة تضامن بل جاء حزينا على هذا العملاق الذي جرح , بالمقابل الأردن دولة صغيرة في قلب العاصفة , للان لم تجرؤ داعش على الإقتراب أو المساس بأمنها ...وتحاول عبثا وتفشل , والسؤال الذي نطرحه ..هو نفسه السؤال الذي يعكس صورة المرافق الأردني وصورة المرافق الفرنسي ..لماذا يبقى الأردن محصنا , بالمقابل عاصمة مثل باريس تخترق ....صورة المرافق تشرح الوضع تماما , فالمرافق الفرنسي يمسك بيد (هولاند) يعطيه تعليمات المسير والذهاب والحركة , بالمقابل الملك يسير منفردا ...
في فرنسا حين تحدث أزمة ينفرط المجتمع , ما بين سكان الضواحي وسكان العاصمة ما بين الإسلام الأوروبي والإسلام المهاجر , ما بين فرنسي من اصل جزائري وفرنسي أصيل ..ما بين يمين متشدد وإشتراكي متنور ...
في الأردن حين تحدث أزمة يتحد المجتمع , تذوب معادلة الفلسيطني والأردني وتسقط معادلة , شمالي أو جنوبي ...وبالتالي المجتمع هو من يحمي القيادة بالمقابل في فرنسا صورة جندي خائف يحاول حماية القيادة من المجتمع .
تلك ميزة الأردن , وأنا مرتاح ولست قلقا ....والتعديل الأخير الذي جعل الزبن والشوبكي يصعدون للديوان هو إكتمال الثالوت في القرار وإتحاد مابين السياسي والعسكري والأمني , وإندحار تام لمشروع فاخوري ومن يمثله ..هو عودة للصلابة في القرار , لتحالف العقل والسلطة ....
زمان كنت صحفيا , كثير الحركة وياما إستمعت للناس في مطابخ القرار وقدر لي أن أجلس كثيرا من الطراونه ومع الزبن ....الأول :- استاذ أكاديمي مازال لديه حس الاستاذ الجامعي الذي يقيم وزنا لطلابه , قاريء لمشروع الدولة جيدا ..وكان والده صارما في تربيته , وأتذكر أنه سألني مرة :- كيف كتبت ذلك ؟ وكان يقصد أحد حوادث أيلول فقد كان جالسا , في غرفة الحرس في منزل وصفي التل حين قصف في أيلول , وسقطت القذيفة الثانية على سقف الغرفة التي كان بها وقدر لها أن لا تنفجر ...فايز كان وقتها في (ال18) من عمره , ورفض أن يسافر مثل أولاد المسئولين إلى قبرص ذهب إلى منزل وصفي التل لأن بيت الوالد كان مهددا والعائلة توزعت بين عمان والكرك ....
حين سألني السؤال أخبرته , أن محسن السرحان – رحمه الله- سائق وصفي ومرافقه , ظل على قيد الحياة فترة طويلة وهو من روى لي القصة , ودونتها ونشرتها ...
بالمقابل الزبن ..هو الاخر طيب يملك خفة ظل البدوي والذكاء الفطري ...
في الأردن الصورة مختلفة الان , ولكننا لا نراها من الزاوية التي يراها عدنان أبو عوده بل من زاوية التحليل الموضوعي ...وليس الهم الشخصي .
الأردنيون وإن أخذتهم الحكومة , لمنحنى خدماتي في العاصفة الأخيرة..ولكن تظاهرة باريس ووجود الملك فيها , كانت مسألة لم تقرأ بعناية ...كيف لدولة صغيرة في قلب النار لا تجرؤ داعش على إختراقها , بالمقابل إمبراطورية عظمى مثل فرنسا تدخل في أزمة إجتماعية خطيرة وأزمة مواطنة ثم أزمة إرهاب .
كيف لدولة ...أن تفعل ذلك وما هو سرها , ...الملك إلتقط المشهد مؤخرا هو يعرف طبيعة المرحلة وطبيعة ما تحتاجه , يعرف كيفية ترتيب البيت الداخلي ...ويعرف متى يغيب ما يسمى بالتيار الليبرالي , وكيف ينتج للقرار مطبخ ملم بأحداث المرحلة والمشهد...
مشهد مسيرة باريس كان مخيفا , هولاند له مرافق يقوده من يده , ونتنياهو ظل مرافقه ممسكا فيه , وقد برزت عل صدره السترة الواقية من الرصاص ..والملك عبدالله ...ظل ماشيا تماما وخلفه مرافق يجسد شخصية جيشه وشعبه ...
أوروبا وإسرائيل ستدخلان في نفق الأزمات الإجتماعية وأزمات المواطنة وإفرازات التطرف , بالمقابل دولة مثل الأردن ...أظنها نجت ....وقريبا سيكون لها دور أكبر وأعمق .