التاريخ : 2015-07-13
الحديدي للراي نيوز : التزاوج بين الطب والقانون استهواني
الراي نيوز
حاورته هدى حمودة
المجتمع الأردني ليس مجتمع عنيف
نتعامل مع الجثة بأنها شخص يحمل الأدلة
الجريمة المنظمة نمط جديد من جرائم القتل
التأمين الشامل للكل قرار مفقود في وزارة الصحة
قانون الاجراءات بيروقراطي
جرائم الأطفال أصعب وأشنع الجرائم
والدي كان له التأثير الضخم في حياتي
أردني مع مرتبه الشرف ، حساس بعكس عمله خلوق دمث لا يعرف الملل ، أعوام طويلة وسنوات عديدة كونت له اسم مشهورا ورقما صعبا بين حاملي شهادة الطب الشرعي ، فارس اسبوعنا لهذه الزاوية الدكتور النطاسي مؤمن الحديدي استشاري أول في الطب الشرعي ومؤسس المركز الوطني للطب الشرعي .
الحديدي الذي أنسن مهنة الطب الشرعي وجعلها لا تتعامل فقط مع الجثث ،ولكن فيها يعطى تقرير بحياة انسان ويكشف بها الحقائق ويقدم البراهين، الدكتور مؤمن جعل هذا الصرح تدخله الأردنيات وفتح لهن شاغرا لهذه المهنة بعد أن عرّف مفهومها الانساني لمن حوله .
رم فتحت أوراق الدكتور مؤمن لينثر لنا حديث ذكرياته ويطلعنا على أهم ما يخفيه الطب الشرعي وتاليا نص المقابلة :
.
•مشواره العملي .
أعوام طويلة قضاها الدكتور مؤمن الحديدي في الطب الشرعي وهو راض ومقتنع عن هذه المسيرة ، حيث أكد أن عمله خلال فترة رئاسته للمركز الوطني للطب الشرعي أسعدته ، بعد أن كان أول رئيس لهذا المركز وهو من مؤسسي فكرته .
وأشار الى أن اختياره لهذا المسار كان عن حب له لما فيه من تجديد وبحث وغموض وتشويق ، فكل هذه العناصر التي اجتمعت أدت الى ميوله لهذا التخصص ، عدا عن ذلك اشتمال هذا العلم على الانسانية والحقوق ، فجاء هذا العلم نصير دائما للضعفاء ليصب في العدالة ، لأن القرار القضائي يستند عادة على الادلة والطب الشرعي كان يقدم دائما هذه الأدلة للوصول الى الحقيقة .
وأوضح الحديدي أن هذا العمل أضاف لحياته الكثير من المعاني منها البحث والاستقصاء عن الأدلة ولا يقبل الخبر بسهولة خاصة المقترن بالمؤشرات ، حتى أن هنالك الكثير من الحالات الغامضة بحاجة الى مساعدة المجتمع فعلى المجتمع أن يفتح يديه ويستعد لهذه الحالات ويقدم المساعدة سواء أكانت دوله أم منظمات مجتمع وطني .
وأضاف ' في فترة من الفترات قررت ترك المركز لأترشح كنقيب للأطباء ما بين 1985 – 2011 لأن هذا المنصب كان امتداد لعملي، وهو لحماية المرضى والأطباء ، والمهنة بشكل عام ، حينها حصلت على ثقة عدد كبير من الأطباء لكن لم أصل الى الموقع ، فانتقلت الى القطاع الخاص وقمت بتأسيس جمعية للدراسات والبحوث الجنائية 2012 بالاضافة الى تأسيسي لمركز أبو قراط لحماية الأطباء ممن لديهم في نزاعات مع القانون في ذاك الوقت ، بالاضافة الى عملي كمستشار للأخلاق الطبية في بعض الحالات '.
وعن أهم القيادات التي عمل على تشريحها قال الحديدي ' في فترة من الفترات تواصلت معي السلطة الفلسطينية لمرافقة الوزير الفلسطيني وتشريح زياد أبو عين والذي توفي أثناء مظاهرة ، بالاضافة الى مرافقتي رحلة أبو قتادة من بريطانيا الى عمان بناء على طلب من الحكومة البريطانية ، وانتخابي كخبير من قبل محكمة الجنايات الكويتية ومحكمة الشارقة ، ولا أزال أقدم خدمات عديدة وموسعه للمحاكم الأردنية '.
•استخدام السرية .
نوّه الدكتور مؤمن الحديدي أن هذا العمل هو جزء من عمل التحقيق الذي يقوم به المدعي العام وهو يحتاج الى ثلاث عناصر مهمة جدا أولها العلم ، والدقة المتناهية وأخيرا الثقة .
وبين أن الثقة التي يمنحها الأطباء الشرعيين هي من أولويات العناصر التي يجب توافرها ، وذلك لايصال المعلومات الصحيحة ، فاذا قدم شخص معلومات لم يثق الناس بها تبقى هذه المعلومات مشوبه بعدم الرضى ، لكن ان حظي بثقة الجهات القضائية والشارع العام وقتها يكتسب شرعية ،وهذا ما أكده الحديدي على أنهم اكتسبوا الشريعة المطلقة حتى أن العمل المقدم أصبح يحظى بثقة الناس فهو موضوع يحتاج الى وقت ومصداقية بالاضافة الى الاستدامة وعمل قائم على المهنية .
وذكر الحديدي الى أن السرية هي سلاح ذو حدين فالسرية أغلب ما تكون في البداية لأن أي اعلان غير منضبط ولا يحمل معلومات صحيحة لا يفيد القضية ، لكن في المقابل اذا تحدثنا عن الشفافية والاعلان المنضبط والمعلومات القائمة على البراهين وتقديمها للناس نكتسب ثقة الجمهور وهذا يساعد القضاء للوصول الى الحقيقة وعدم اهتزاز صورة القضاء .
•المجتمع الأردني والجرائم .
أشار الدكتور الحديدي الى أن المجتمع الاردني هو مجتمع طيب وليس مجتمع عنيف ، فطيلة عمله في هذا المجال لم يتعرض الى أي من الضغط أو التهديد بسبب التعامل مع الشارع الاردني بموضوعية وشفافية وشرح مفصل لهم .
ومن هذا المنطلق أكد عدم تعامله مع الجثة بمعنى الميت بل نتعامل معها بأنه شخص يحمل ادلة في جسمه ونستنبطها وبالتالي فان هذا ما يسمى التحقيق مع الميت وهو أمرمهم غيّر في مفاهيم الناس .
ونوّه الى أن المجتمع الاردني هو من المجتمعات الآمنة لكنه يحمل حساسية شديدة من الجريمة ، بحيث أن جريمة واحدة قد تهز المجتمع بالكامل وتبدأ هذه الحساسية بالتفاقم اذا زادت بشكل غامض .
وقال ' نستطيع القول أن المجتمع الأردني هو مجتمع بعيد عن الجريمة لكن لا ننكر وجود العصبية والحساسية ، فالجريمة تتمحور حول ثلاث دوافع اما أن تكون بسبب المال ، او النساء ، الثأر، لكن ظهر نمط جديد خلال الفترت الأخيرة وهي الجريمة المنظمة وهي أن يقوم القاتل الحقيقي باستئجار شخص آخر للقيام بالفعل وبالتالي يجعل القاتل بعيد عن الشك '.
ومن خلال هذا الموضوع أشاد مؤمن الحديدي بعملية التطوير بالمنظومة الجزائية لكنه أكد على حاجتنا الى اهتمام أكبر خاصة بالخبرات والخبراء ، فلا يتم الكشف عن الجريمة بالادوات فقط يجب أن يكون كل من يعمل بهذا المجال على درجة من التعليم والخبرة ويحظى بثقة من حوله حتى يستطيع أن يصدر الحكم الفصل ولا تخضع للشك أو الجدل .
•اصعب انواع الجرائم .
أكد الحديدي الى أن أصعب أنواع الجرائم التي يتم التعامل معها هي جرائم الأطفال ومن هنا ذكر الى أنه لا بد من الحديث عن العنف ضد الأطفال واستخراج العناصر والأسباب والدوافع الكامنة للقتل في هذه القضايا خاصة .
وأضاف ' بسبب الاعتداء المتكرر على الأطفال بدأنا نشير الى قضايا حماية الاسرة ، حيث كان المفهوم السائد دائما يرفض ويستهجن أن يقال أن الأب قتل طفله، وكان هذا الموضوع بحاجة الى البراهين التي قدمها الطب الشرعي ليصبح لدى العائلة والشعب وعي أفضل ومسيرة قائمة الى البراهين وهو الموضوع الذي أخذ جانب مهم من اهتمامنا مما جعل موضوع الطب الشرعي أكثر انسانية وبدأنا بأنسنه الطب الشرعي لينتقل التعامل مع الميت الى التعامل مع الحياة ، مما جعل للطب الشرعي حضور مجتمعي '.
•أبشع الجرائم .
صرح الدكتور مؤمن الحديدي أن ابشع الجرائم التي تعامل بها هي جرائم التي تمارس ضد الأطفال وخاصة ان كانت بدافع جنسي .
وقال ' قابلت الكثير من الجرائم لكن كان أبشعها هي مقتل فتاه في مدرسة خنقا حيث تم الاعتداء عليها جنسيا وهي في الثامنة من عمرها ، ومن خلال الأدلة توصلنا الى القاتل بسرعة '.
من جانب آخر ذكر الدكتور الحديدي قصة لطفل صغير يبلغ من العمر السبع سنوات عثر عليه في بئر صغير في أحد مناطق شرق عمان ، فبعد البحث عن الطفل لمدة أيام وجدناه متوفي ،حيث تمحور الى أن الطفل قد تعرض الى الاغتصاب وانتهاك لحقوقه ، وبعد ارساله الى المشرحة وقيام فريق طبي كامل بالاشراف عليه ، لم يجدوا اي اصابات لكنه وكما الملاحظ كان قد وقع في البئر وغرق ، لكن بعد فترة قام أحد الأشخاص من الجنسيات العربية بالاعتراف بهذه الجريمة وقام بتبليغ الجهات المعنية ، لكن الدكتور مؤمن الحديدي لم يجد أي دليل على قتل هذا الطفل وأصر على تمثيل الجريمة أمامه لكن الشخص اعترف بأنه كان يشعر بالخوف الشديد وتحت ضغط نفسي لأن كل المجتمع وضع عليه ايحاء بأنه هو الذي قتل هذا الطفل ، لكن تمت تبرئته لعدم وجود أي دليل على القتل بل أنه سقط في هذا البئر .
ومن خلال ما سرده الحديدي أكد على أن للمجتمع والاعلام دور كبير جدا في وضع الجاني في مكانه الصحيح أو في تبرئه شخص نتيحه افتراضات المجتمع
•عمليات الاعدام .
بين الحديدي الى أنه أشرف على 60 عملية اعدام طيلة مشواره العملي في مجال الطب الشرعي ، وهذا الرقم ما بين 1986 – 2007 بعد ذلك توقف حكم الاعدام .
وأكد أن حالات تنفيذ عملية الاعدام هي نوع من أنواع العقاب المهم المذكور في ديننا الاسلامي ، لكن نوّه الحديدي أن توقيف الاعدام كان لسبب وقال ' أن بعض حالات الاعدام كان فيها تنفيذ لهذا الحكم لكن تم ايقافها في نفس يوم بسبب وجود صلح عشائري '.
وأضاف ' اذا تمت محاكمة شخص بالاعدام وأصبح هنالك صلح عشائري فيستبدل الحكم الى المؤبد ، لكن هذا الصلح العشائري اذا لم يودع في المحكمة بالطريقة الصحيحة وانما أرسل الى السجن بطريقه خاطئة فلا ينفذ ، وهذا ما حصل معنا في أكثر من حالة قبل تنفيذ حكم الاعدام بساعات حيث تم ايقاف الحكم وتأجيله '.
وأوضح أن الاعدام هو ردع خاص للقاتل وردع عام للمجتمع ، لكن اذا تم الاعدام بسرعة واغلاق الباب أمام الصلح والأدلة لا يؤدي الى نتيجة ، وذكر الى أنه مع استبدال عقوبة الاعدام بعقوبات طويلة ، لكن ليس بالحكم المؤبد بمعنى ثلاثون سنة بل أحكام أكثر من ذلك ، فالمؤبد يعني طيله حياه الشخص حيث يكون السجن هو مكان للعقاب لكن دون انتهاك لكرامة الانسان.
•نسبة الخطأ .
ذكر الدكتور مؤمن أن الخطأ الذي يحسب في آخر القرار هو خطأ القاضي لكنهم بدورهم يقومون بتقديم الأدلة والبراهين ضمن ضوابط ، ويقوم القاضي بوزن هذه الادلة حسب انتاجها ويصدر قرارة بناء على هذه الأدلة .
لكن ما يحدث أن قانون الاجراءات يكون في بعض الأحيان بيروقراطي فقد تستغرق المحاكمة فترات طويلة والدفاع يعبث في أمد المحاكمة وبالتالي نحن بحاجة الى نيابة متخصصة وقضاء متخصص وهذا يحتاج الى خبراء يتم العناية بهم .
•اهم قرارات الحديدي .
أشار الحديدي أن أهم قرار بحياته هو اختياره للطب الشرعي، وقال ' لو عاد الزمن مرة أخرى لقمت باختيار نفس الطريق ، والسبب في ذلك أن والدي سليمان الحديدي كان نقيبا للمحامين وكنت ممن يهوا القانون لكنني اتجهت الى الطب لأن معدلي في الثانوية العامة كان يؤهلني الى الطب ، فدرست الطب في الاسكندرية واتجهت الى بريطانيا للتخصص وأثناء وجودي هنالك برز أمام الطب الشرعي ومدى مكانته في بريطانيا اضافة الى التزاوج بين مهنه الطب والقانون الأمر الذي جعله هذا التخصص يستهويني بشكل كبير '.
•دور الوزير سليمان الحديدي في حياه مؤمن .
أكد الدكتور مؤمن أن بطبيعة الحال والده كان له التأثير الضخم في حياته وعلى مسيرته ، وعن أهم بصمة تركها والده قال ' البحث عن الحقيقة ومسانده الضعفاء أهم بصمة تركها والدي لي حيث نذر والدي نفسه لخدمة المجتمع وأنا ورثت هذا الطبع منه لخدمة الناس الضعفاء ليصبح الطب في خدمة المجتمع ، فلا بد من الاشارة الى أهم الانجازات التي حققتها الا وهي أنسنه الطب الشرعي وجعله قريب الى حماية الحياة الانسانية ، اضافة الى مساهمتي الى جذب واستقطاب عدد من الطبيبات في هذا المجال أولهم كانت الدكتور اسراء الطوالبة وهذا القرار هو قرار مهم واستطعنا أن ندخل الطبيبات لأن ضحايا العنف من النساء خاصة هن بحاجة الى أن تفحصهم طبيبة ، ومن هذا المنطلق قمنا باستقطاب الطبيبات لكن للأسف لم يكتمل هذا الملف وذلك بسبب عدم وجود استمرارية '.
•أهم قرار يتخذه الحديدي في وزارة الصحة .
أكد مؤمن الحديدي الى أن التأمين الصحي الشامل هو القرار المفقود في وزارة الصحة ، وكيف نتعامل مع التأمين الصحي الشامل ليس للموظفين فقط بل لكل المواطنين فأي انسان يتعرض الى أزمة صحية كبيرة أو حادث مؤسف يصبح بليلة وضحايا فقير لأن تكلفة العلاج لدينا ضخمة بالرغم من وجود مكرمات نشهد بوجودها ومساندة من الحكومة لكن هذه ليست تأمين بل مكرمات فلا بد من تعديل ملف التأمين الصحي الشامل .
•نشأة الحديدي .
انحدر مؤمن الحديدي من عائلة مهنية من الطبقة الوسطى والده المحامي سليمان الحديدي سياسي كان قريب الى نبض الشارع ليبحث عن الضعيف وانصاف الحق ، فكان شعاره الحق والعروبه ، وكل هذه المسيرة عاصرها دكتورنا مؤمن الحديدي وبالتالي تأثر بها وأضافت له الكثير لأنها جزء من حياته ، ونحن الآن نعيش في بلد آمن قائم على العدل بالرغم من وجود بعض الانحرافات هنا وهنالك .
وأكد على أن كل من يرغب أن ينجح ولديه الارادة يستطيع أن ينجح تمام ، لكن الاسقاطات والاسباب والفشل هذه من فعل الشخص نفسه .
•رسالة اخيرة .
نوّه الدكتور مؤمن الحديدي استشاري أول للطب الشرعي ، ومؤسس المركز الوطني للطب الشرعي أن العدل يجب أن يعم عبر الأدلة ، ويجب أن نعمل باستمرار على اصلاح منظومة العدالة الجزائية والاصلاح لا يعني الخراب بل الاصلاح الذي يقصد به التطوير ، فالاصلاح هي عملية مستمرة ، ونحن نعيش في عالم ومجتمع متغير وبالتالي يجب أن يكون تطبيق القوانين رشيقة تمتاز بالمرونة .
واختتم قوله بأهمية العقوبات البديلة في المجتمع الاردني وأهمية اعادة تفعيلها لخدمة المجتمع وتقديم الحل وردع المجتمع بطريقة صحيحة .