التاريخ : 2016-11-24
خبير: لا توجد تربة خصبة للفكر المتطرف بالأردن.. وحجمهم محدود
الراي نيوز
• ليس هناك أرقام دقيقة حول عدد الأردنيين الذين التحقوا بالجماعات المتطرفة بل تخمينات.. وأظن أنهم مئات وليسوا بآلالاف كما يروّج
• الأردن يخلو من أي حاضنة للفكر المتطرف .. وأجهزة الأمن تمارس أمنا ناعما
• المجموعات المتطرفة تحمل فكراً معزولاً ولا تمثل التيار الإسلامي الرئيس في المجتمع الأردني أو العربي
صحيفة السبيل/ حاوره: خليل قنديل
قال رئيس مركز دراسات الشرق الاوسط جواد الحمد إن الأردن لا يعاني من مشكلة تطرف حقيقية داخليا لعدم وجود حاضنة شعبية للفكر المتطرف، وذلك لما يتمتع به المجتمع الأردني من مزاج معتدل لا يشكل حاضنة للإرهاب ولا يؤيده، إضافة إلى ما يتمتع به الأردن من جهاز أمني قوي يتعامل بشكل عام بأسلوب ناعم ومتابعة حثيثة لهذا الموضوع، ووجود معارضة سياسية معتدلة ترفض التطرف والإرهاب وتواجهه بالفكر والسلوك.
وأشار الحمد في حوار موسع مع "السبيل" حول ظاهرة التطرف والإرهاب في المنطقة إلى أن الخطاب الإسلامي بشكل عام في الأردن خطاب معتدل سواء الخطاب الديني الرسمي أو خطاب الحركات الإسلامية، إضافة إلى ما تميزت به المناهج الدراسية في الأردن من اعتدال، مشيرا إلى أن ما قديحدث من تطرف من قبل أردنيين يتم خارج حدود الممكلة.
ويرى الحمد ان مواجهة الفكر المتطرف لا تتم بالاعتماد على العامل الامني فقط على أهميته، وإنما تتطلب فتح المجال للحريات والحياة السياسية وبناء الشراكة السياسية بين مختلف القوى، بحيث يصبح المجتمع منخرطاً في الحياة السياسية، وهو ما يغلق الأبواب على أصحاب الفكر المتطرف، مع ضرورة أن تعطي الدولة للتيار الإسلامي المعتدل حريته الطبيعية في للتعبير عن رأيه وممارسة العمل السياسي، حيث إن مواجهة الفكر المتطرف تكون عبر تبني ودعم الفكر المعتدل.
ويؤكد الحمد أن ظاهرة الإرهاب والتطرف مضخمة وغير حقيقية بشكلها المطروح، ودخلت فيها عناصر كثيرة وتدخلات لأجهزة استخبارات خاصة إقليمية ودولية، وليست نابعة من فكر ديني حقيقي، مشيراً إلى ان التنظيمات الإرهابية عملت على كسب تعاطف بعض الشباب عبر استغلال ما جرى من ممارسات أمريكية في العراق واحتلالها له وارتكاب الجرائم بحق الشعب العراقي، إضافة إلى تداعيات الصراع في سوريا، مما تسبب باندفاع بعض الشباب للذهاب للقتال في سوريا، وربما انضم بعضهم إلى التنظيمات المتشددة تحت قيادات سورية أو عراقية وليس قيادات أردنية إلا ما ندر. وفيما يلي نص الحوار :
* هل يمثل التطرف والعنف ظاهرة جدية في الأردن ويشكل خطرا على الاستقرار في المملكة؟
- ليس الأمر كذلك ، فالأردن بلد لا يعاني من مشكلة التطرف داخلياً، ولم يكن يعاني منها سابقاً، ولا أتوقع له أن يعاني منها مستتقبلاً، فهو بلد يتمتع باستقرار داخلي واستقرار اجتماعي عالي المستوى. صحيح أنه ليس هناك بلد يخلو من بعض الإشكالات، لكنها لا تصل في الأردن إلى درجة التطرف العنيف، ولا يمكن اعتبارها ظاهرة، وكل التطرف الذي يقع من قبل أردنيين يحدث خارج الأردن، باستثناء حالات فردية معزولة تحدث على فترات متباعدة.
والأردن لا يوفر حاضنة أو منبتا أو مشجعا على نشوء التطرف أو دعمه أو تبنيه لثلاثة عوامل: أولها أن الدولة تتمتع بجهار أمني قوي يتعامل بأسلوب الأمن الناعم. ثم إن هناك حكمة من قيادة الدولة في التعامل مع مختلف الإشكالات، كما أن المزاج الشعبي مزاج معتدل ولا يشكل حاضنة للإرهاب أو التطرف ولا يؤيده. والمجتمع الأردني بإجماعه يرفض التطرف، كما أن المعارضة السياسية بكافة أصنافها معارضة معتدلة وليست عنفية أو متطرفة، وعلى رأسها التيار الإسلامي الذي مثل طيلة العقود التالية نموذجاً للاعتدال في المنطقة، وهذا ما أكد عليه الملك الراحل الحسين، وكثير ممن يدركون طبيعة التكوينات الشرق أوسطية في الفكر الإسلامي والقومي. لكن ثمة حديث عن تعاطف البعض مع أصحاب هذا الفكر ليس بسبب وجود نزعة التطرف أو ولا علاقة لذلك بالجانب الفكري عند الشباب، إنما قد يحصل ذلك لدى البعض بسبب ترويج الجماعات المتطرفة نفسها بأنها "تقاتل أمريكا وإسرائيل"، وأنها تسعى " لتحرير العالم العربي من الهيمنة الأمريكية".
* إذا كيف تفسر ما تتحدث عنه وسائل إعلامية من خروج آلاف الشباب الأردني لممارسة التطرف في الخارج إن لم تتوفر لهم حاضنة مجتمعية؟
- ليس هناك أرقام دقيقة حول أعداد الإردنيين الذين التحقوا بجماعات متطرفة، بل هي تخمينات، وأظن أنهم مئات وليسوا بالآلاف، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت مفتوحة للجميع وليست محصورة بجغرافية معينة، فهي تمثل فضاء افتراضياً لا يمت للمجتمع الأردني ولا الحواضن الاجتماعية بصلة، ومعظم من يلتحقون بالجماعات المتطرفة والإرهابية في الخارج هم من فئة غير المتدينين وغير المثقفين في الغالب، لذا يتم ملءأدمغتهم بأفكار متطرفة، وكثير منهم له سوابق جرمية وغيرها، وهناك شواهد كثيرة على ذلك.
لذا فالمزاج الأردني والتربية الإسلامية في الأردن معتدلة، وخطاب التيار الاسلامي معتدل، وخطاب وزارة الأوقاف معتدل كذلك، وليس هناك خط ديني متشدد يستقطب الشباب ويعلمهم التشدد. كما أن الأسرة الأردنية حصن أساس ضد الفكر المتطرف، والمناهج التعليمية في الأردن معتدلة ولا تصنع فكراً متطرفاً، وقد قمنا بدراسة لمناهج التربية الإسلامية الأردنية قبل التعديلات الاخيرة وأجرينا بحثا علميا شارك فيه أربع أساتذة من جامعة آل البيت وتبين أنها تعبر عن فكر وسطي معتدلا ولا تتضمن أي تطرف.
* لكن، ما رأيك بوجود أكثر من 500 شخص داخل السجون بتهم محاولة الالتحاق بالمجموعات الإرهابية أو الترويج لها في الأردن، وهل يتفق ذلك مع ما ذهبت إليه من أنه ليس هناك حاضنة شعبية للأفكار المتطرفة، خاصة وأن تابعين لتلك المجموعات نظموا في بعض الأوقات مظاهرات لترويج أفكارهم، كما شهدت مدينة إربد اشتباكات مع أفراد خلية من " داعش"، وقبلها جرت أحداث متعددة في مدينة معان؟
- كلمة حاضنة شعبية تعني وجود تربة خصبة تحتضن الفكر المتطرف وتدعمه وتنميه، وهي غير موجودة في الحالة الأردنية. في مدينة معان كانت قضية عنفية وليست تطرفا، هناك مطلوبون وخلافات وإشكالات أمنية، أما الزرقاء فما جرى فيها من مظاهرات لبعض المحسوبين على مجموعات متشددة كان حادثة عابرة ولم يقوموا بأي عمل عنفي بعذ ذلك، لذا ليست هناك حاضنة. أما ما جرى في إربد فلا يدل على وجود محاضن للتطرف بل هي حادثة فردية معزولة، وفي كل العالم هناك أحياء كاملة لا تدخلها الشرطة مثل أحياء في باريس ونيويورك، وهذا وضع طبيعي في كل العالم أن يكون هناك مجموعات إجرامية تستخدم العنف وبعضها يستخدم مسميات دينية للتلبيس على الجمهور، لكن ليس لهم احتضان شعبي، وهم كانوا غرباء عن المنطقة التي أكد أهلها رفضهم لما قاموا به، وأؤكد أنها حالة شاذة عابرة وغير مستقرة في المجتمع.
هناك حواضن للتطرف والإرهاب في سوريا والعراق، وحتى في أمريكا وبعض الدول الأوروبية هناك حواضن للفكر متطرف مثل جماعات التطرف النازي او الشوفيني والتي تحظى بالتمويل والدعم. أما في الحالة الأردنية فأي ملاحظات من قبل الأمن الأردني حول وجود ميول للتطرف لدى بعض الأشخاص فإنها تقوم باتخاذ إجراءات لمعالجتها ومنع تشكيل مجموعات متطرفة، وهي تمارس الأمن الناعم وليس لدينا عنف حاد، ونادراً ما تحدث حوادث حادة، ولا تقارن بغيرها كما جرى في ضواحي باريس أيام ساركوزي.
* وما أكثر المجموعات المتشددة التي تعتقد انها فاعلة على الانترنت في الأردن وما مدى تأثيرها؟
- الترويج عبر الانترنت يتم لهذه المجموعات من خارج الأردن ويستهدف الشباب العربي كله بما فيه الشباب الأردني، وغالب من يلتحق بهذه المجموعات من الأردن ليسوا من الملتزمين دينيا بل ممن لا يفهمون الدين الإسلامي بالشكل الصحيح، لأسباب تتعلق إما بالجهل أو بالإحباط أو بدافع البحث عن شيء جديد أو نتيجة مشاعر الكراهية لأمريكا، لكنها لا تستند لأسس دينية أو فكرية. وما ينبغي التنويه إليه أن الحملة الدولية التي قادتها أمريكا ضد العالم الإسلامي ساعدت هذه المجموعات على بث أفكارها المتشددة في العالم العربي بشكل قوي، مع التأكيد على أنه ليس كل المجموعات في سوريا والعراق إرهابية أو متشددة، وأعتقد أن المجموعات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم "داعش" تديرها أجهزة استخبارات إقليمية ودولية، وليست نتاج فكر ديني.
اعتقد أن "داعش" من أكثر المجموعات المتطرفة فعالية على الإنترنت، وهو ما يظهره الاهتمام الملحوظ داخل نقاشات المجتمع الأردني بظاهرة "داعش"، ومن الواضح أنها تحظى بدعم استخباراتي وتقني عالي المستوى، وتمويل كبير من أجهزة استخبارات إقليمية ودولية كي تستقطب الشباب وتفرغ محتوى "الجهاد الحقيقي" والمقاومة ضد الاحتلال من مضمونه عبر ممارسات قطع الرؤوس والإجرام وغيرها من الممارسات ضد المسلمين وغيرهم. وقد تعرضنا سابقاً لمثل هذه الحالة الإستخباراتية كما جرى أواخر السبعينات في المنطقة العربية عبر ما سمي بإفراغ "الصحوة الإسلامية" من محتواها الذي لم يكن جهادياً أو متطرفاً، بل كان تديناً أساسياً وأخلاقيات، فيما كانت الحالة الثانية بعد أحداث سبتمبر عام 2011.
* وهل تعتقد أن التنظيمات المتشددة استفادت من وسائل التواصل الاجتماعي مثل اليوتيوب والفيس بوك والواتس والتويتر وغيرها؟
- نعم استفادوا منها كثيراً كونها وسائل متاحة ومفتوحة للجميع، وللأسف فإن مواقع مثل اليوتيوب وتويتر تقوم بحجب المواقع التي تهاجم إسرائيل وحتى ملاحقة القنوات الفضائية التي تعاديها، بحجة التحريض على الكراهية، فيما لا يتم حجب المواقع التابعة للتنظيمات المتشددة والإرهابية على المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وذلك بشكل أعتقد أنه متعمد ومقصود، حيث كان بإمكانهم منعها منذ البداية، وما زال الأمر ممكناً، لكنه لا يحدث، وهذا ما يطرح الكثير من التساؤلات.
* وما رأيك بتصنيف بعض المجموعات المتشددة على أنه "سلفية جهادية"، وما حقيقة ما يذكر من أرقام حول حجم المجموعات المتطرفة؟
الحمد : ليس هناك منطق في أن تكون هناك "سلفية" و"جهادية" في نفس الوقت، لكن بعض المجموعات المتطرفة المتلبسة بالبعد الديني أطلق عليها من قبل أجهزة الاستخبارات العربية والعالمية اسم "السلفية الجهادية"، ولاحقاً سمي أفرادها من قبل هذه الأجهزة والإعلام الغربي بـ"الجهاديين JEHADIST ".
ظاهرة الإرهاب والتطرف برأيي ظاهرة غير حقيقية بشكلها المطروح، وهي مضخمة جداً، ودخلت فيها عناصر كثيرة، وتدخلات لأجهزة استخبارات مختلفة، وليست نابعة من فكر ديني حقيقي، ويمكن تفنيد آرائهم من قبل أي متخصص بالدين الإسلامي، لذلك هي ظاهرة محدودة وقابلة للإنهاء، لكن ليست هناك إرادة سياسية دولية وإقليمية لإنهائها.
حجم أصحاب الفكر المتطرف عبر التاريخ الإسلامي محدود، وتم تضخيمه من قبل مستشرقين غربيين لتصوير أن الحضارة الإسلامية كانت حضارة متطرفة، بالاستناد إلى آراء من يوصفون بـ"الهامشيين" في التاريخ الإسلامي، وليس لهذه المجموعات المتطرفة الجديدة جذور فكرية حقيقية في الدين الإسلامي، وصفاتنا الحضارية الوراثية السائدة كلها تنحو نحو الوسطية والاعتدال، فيما كانت هناك في التاريخ مجموعات محدودة نشأت على هامش الحالة الإسلامية مارست العنف، وكانت صفاتها متنحية، وقد تم مواجهتها من قبل الغالبية معتدلة الفكر والمزاج والسلوك.
لكن بحكم الظلم الواقع على المنطقة العربية والعالم الإسلامي واستمرار إسرائيل في عدوانها على فلسطين، قد تجد أن هناك من يتعاطف مع بعض هذه الأفكار. أما الجهاد الذي يؤيده المسلمون فهو فقط ضد الاحتلال والاستعمار والعدوان الخارجي، أما ما عداه فهو خلافي، لذلك هم مجموعات تحمل فكراً معزولاً، ولا تمثل التيار الإسلامي الرئيسي في المجتمع الأردني أو العربي.
* هناك من يروّج أن تصاعد قوة التنظيمات المتطرفة والإرهابية ارتبط بتصاعد نجم الإخوان المسلمين خلال الربيع العربي، ما رأيك بهذه المقولة؟
- على الإطلاق، العكس هو الصحيح، هناك محاولة لمنع جماعة الإخوان المسلمين بشكل أساس وغيرها من الأطراف الإسلامية المعتدلة من المشاركة في الحياة السياسية وتحجيم دورها في الحياة العامة، فهي من تيار الإسلام المعتدل حتى وفق التصنيف الدولي الذي يرى أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة معتدلة وليست عنفية أو متطرفة.
وما ينبغي الإشارة إليه أن ممارسة التضييق على مثل هذه الجماعات المعتدلة ومحاربتها، قد يدفع الشباب باتجاه الفكر المتطرف، فكل من تيار جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي العام احتضنا التفكير المستنير، وهما اللذان شكلا حالة الاعتدال لفترة طويلة، ومن خرج عنهما ولم يستطع أن يعيش في صفوفهما سواءً أخرج بدعم استخباراتي - كما جرى في مصر في الخمسينات حيث ظهرت جماعات التكفير- أو خرج شخصياً ولم يستوعب فكرهما، فالذين خرجوا عن الإخوان المسلمين وكفروهم، هم الجماعات المتطرفة، فكيف يتهم الإخوان بالتطرف أو الإرهاب وهم برأي الكثيرين كانوا حصنا منيعا لمنع انجراف الشباب نحو الفكر المتطرف، والملاحظ تاريخا أنهم دفعوا ضريبة هذا الموقف الرافض للتطرف في الفكر والسلوك.
برايي هذه معركة سياسية، وليس مقبولا للمفكرين والمحللين المنصفين أن يقعوا في مطب الصراع السياسي الذي يدفع لشيطنة الطرف الآخر، وما جرى في مصر مثلاًً هو صراع سياسي لجأت فيه السلطة إلى محاولة تشويه الإخوان ووصمهم بالإرهاب والتطرف من منطلق الخصومة السياسية، حيث إن فكر جماعة الإخوان المسلمين لا يستوعب الفكر المتطرف، ولا مكان في الجماعة لمن يتبنى مثل هذا الفكر كما ثبت تاريخيا، فيما يستثنى من ذلك مقاومة الاحتلال حالياً والإستعمار سابقاً، و الذي يعتبر حقاً مشروعاً ضمنته القوانين الدولية وخاصة في فلسطين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لذا ما جرى من إغلاق لبعض مكاتب جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وملاحقتها في دول أخرى أرى أنه كان تصرفا خاطئا ينبغي تصويبه، لأن المستفيد الأول منه بالضرورة هو الفكر المتطرف الذي يعارض خط الإخوان في الاعتدال والمشاركة السياسية.
وهنا احب ان أوضح الإشكال في موقف المجتمع الدولي، حيث يتم مثلاً في أوروبا الخلط بين "التطرف" و"الإسلام السياسي"، علماً بأن "الإسلام السياسي" تمثله الجماعات التي تؤمن بالعملية السياسية والمشاركة السياسية، وتحاول الوصول للحكم أو المشاركة فيه عبر العمل وسائل وأدوات العمل السياسي لتطبيق برنامجها السياسي ذي المرجعية الإسلامية، فكيف تتم مساواة هؤلاء بفكر وأهداف وممارسات تنظيم متطرف مثل "داعش" مثلاً؟
* لكن بعض الجهات الدولية تعتبر "حماس" و"داعش" وجبهة النصرة و"القاعدة" كوجهين لعملة واحدة ؟
- من يتكلم بهذا الكلام هو إما جاهل أو يحمل فكرا صهيونيا، فحماس كما هو واضح تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وهذه المقاومة مشروعة في القانون الدولي وتحظى بتعاطف في العالم العربي والإسلامي بل ولدى أحرار العالم، وهي مقاومة من كل الشعب الفلسطيني وليس من حماس وحدها ، لذا المقاومة الفلسطينية تواجه الاحتلال الإسرائيلي وواجب الدول العربية والأمم المتحدة دعم المقاومة الفلسطينية بالسلاح لمواجهة الاحتلال غير المشروع بحسب القانون الدولي.
* وهل تعتقد أن الأحداث في سوريا كان لها دور في محاولات بعض الجماعات اختراق المجتمع الأردني بفكرها المتطرف؟
- كان هناك أثر لذلك بالفعل، والتحق بعض الشباب الأردني بالساحة السورية أو العراقية بسبب الممارسات الأمريكية في العراق واحتلالها له وارتكاب الجرائم بحق الشباب العراقي، وهو ما استغله تنظيم القاعدة في البداية، إضافة إلى الصراع في سوريا وحجم الجرائم التي ارتكبها النظام بحق الشعب السوري، مما تسبب باندفاع بعض الشباب للذهاب للقتال في سوريا، وربما انضم بعضهم إلى "داعش".
أما الوضع في العراق فهو الأساس، حيث إن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ودخول إيران للعراق واختراقها لتنظيم "القاعدة" وتشغيله ضد المقاومة العراقية التي كانت تعمل ضد الاحتلال الأمريكي في العراق، والتنسيق الأمريكي-الإيراني داخل العراق، فإنه يمثل أساس هذا الموضوع.
كما تم تصدير تنظيم "داعش" من العراق إلى سوريا أصلاً نهاية عام 2013، فقد كان موجوداً في العراق منذ عام 2004 حيث أعلنت الدولة الإسلامية في العراق، ولم ينشأ عام 2013 كما يشاع، فلماذا لم يحاربه الأمريكان وإيران، لذا فإن "داعش" يعتبر صناعة جديدة كي يستخدموه عام 2013 ، وقد شهد نمواً كبيراً خلال عامين ونصف، وأصبح يمثل تنظيماً مخيفاً يعلن العالم عجزه عن محاربته.
* وهل ترى أن اختلافا في التوجهات السياسية بين "القاعدة" و"داعش"؟
- تنظيم "القاعدة" قام على فكرة مهاجمة المصالح الأمريكية وفق منطق خاطئ، فيما "داعش" يقوم بقطع الرؤوس وسبي النساء باسم الدين، وهو ما لم نشهده من قبل، لذا تعتبر "داعش" صناعة جديدة من قبل جهات مستفيدة من ممارساتها، وتنظيماً يشوه صورة المجتمع والدين الإسلامي بشكل غير مسبوق لخدمة من يقفون وراءه وخدمة برامجهم.
داعش يمثل أسطورة مصطنعة ، فكيف يعقل أن 500 شخص يهزمون 30 ألف جندي في الموصل، كيف يقبل ذلك؟ هم كانوا في العراق وأرسلوا الى سوريا وفجأة احتلوا 40 % من مساحة سوريا. المتهم الأول بالوقوف وراءهم هي أطراف إقليمية واستخبارات دولية تستخدمهم، وهي حالات غير طبيعية ستنتهي عندما تستنفذ اغراض صنعها، وكل ما يقال من تفاصيل حول ذلك عليه ردود كثيرة فيما يتعلق بالتمويل والتسليح عبر ترك السلاح لهم والانسحاب أمامهم، وما يمتلكونه من سيارات حديثة جداً، وهروب الجنود قبل قتال "داعش" وهناك مئات الأمثلة على ذلك، فيما نرى الآن أن 67 دولة في الجو تحاربها ولا تستطيع القضاء عليها، بل وتعلن تقارير أن " داعش" تصدر نفط عبر الصهاريج لكل العالم دون أن يلاحظ أحد ذلك، فهل هذا شيء يعقل؟ لذا باتت "داعش" علامة تجارية تطلق على أي مجموعة تريد ممارسة العنف كما جرى في ليبيا حيث استخدمت كتائب القذافي المتبقية اسم "داعش" لنشر الفوضى ضد النظام السياسي الجديد هناك.
* في المستقبل كيف ترى تتوقع أن تؤثر الأحداث في كل من سوريا والعراق علينا في الأردن ؟
- لن تؤثر علينا إذا بقي الحال في الأردن من وحدة وطنية داخلية وإجراءات أمنية محسوبة، وبقيت المعارضة المعتدلة وتحقق الانفتاح السياسي وعاد للمنابر الخطباء المعتدلون الذين تم إقصاء بعضهم، وثمة كثيرون هنا وحتى في العالم الغربي يرون أن الإسلاميين في الأردن حركة راشدة معتدلة كما أكد الملك الحسين ذلك عدة مرات، ويجب أن يأخذوا وضعهم الطبيعي دون استهداف سواء في الحياة السياسية أو المساجد أو مختلف المنابر والعمل العام والخيري، لأن هؤلاء يفتحون الباب لتمثيل طموح الشباب المسلم المعتدل، وبالتالي تكون الأفكار المتطرفة أفكاراً شاذة لا قيمة لها، وسيعمل ذلك على تخفيف حدة انعكاسات الازمة السورية على الأردن. كما أن الجيش قادر على حماية الحدود من أي محاولات لاستهداف أمن الأردن من أي طرف كان.
* برايك ما السبيل الأمثل لمواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب؟
- أعتقد أن ظاهرة التطرف يمكن وقفها من خلال فتح المجال للحريات والحياة السياسية والانتخابات النزيهة و بناء الشراكة السياسية بين مختلف القوى، فيصبح المجتمع منخرطاً في الحياة السياسية، ولن يجد أصحاب الفكر المتطرف مكاناً لهم في هذا المجتمع . لذا في الأردن مثلاً وفي ظل هامش جيد من الديمقراطية والحرية لن تكون هناك مساحة للفكر المتطرف، ولا يكفى أن يكون هناك جهاز أمن قوي كما هو قائم في الأردن، لكن للمجتمع دور كبير في المواجهة، حيث إن المجتمع الأردني لا يحتضن مثل هذا الفكر، والجماعات الإسلامية الرئيسية في الأردن لا تحتضن التطرف ولا تمارس الإرهاب ولا تدعمه بل هي جزء من حالة مواجهته، لذا لا مكان لأصحاب الفكر المتطرف سوى على هامش المجتمع، مما يدفع من يتطرف للذهاب إلى الخارج كما ذكرت سابقاً.
صحيح أن هناك بعض الأفكار المتطرفة، لكنها تعالج بالحوار وتحصين المجتمع ومكانها المنابر وطاولات الحوار والندوات والمؤتمرات والكتب، وليس مكانها تشكيل تنظيمات عنفية، ومن الضروري إيجاد كتل بشرية محصنة يصعب اختراقها من قبل الفكر المتطرف، مع استخدام الإعلام والتعليم والمؤسسة الدينية التي تتعامل مع كتل بشرية واسعة ويمكن لها القيام بدور فاعل ومباشر لتوضح لهذه الكتل البشرية مقومات الفكر المعتدل وليتم تحصينها ضد التطرف، أما عملية ملاحقة كل صاحب فكر متطرف فهي قضية أمنية معقدة أرجو ألا نضطر لها في الأردن يوماً ما.
وأعتقد أن أهم إجراء مطلوب اليوم هو أن تعطي الدولة للتيار الإسلامي الرئيس المعتدل حريته الطبيعية التعبير عن رأيه وممارسة العمل السياسي. يمكن أن تختلف معهم في رأي أو موقف سياسي، لكن عند محاورتهم تجدهم أصحاب فكر معتدل، وهم ملتزمون بالقانون ويقومون بأعمالهم بشكل قانوني، لذا فالمجتمع يتقبل هذه التيارات بسبب اعتدال فكرها وسلوكها، حيث إن مواجهة الفكر المتطرف تكون عبر الفكر المعتدل، والفكر الإسلامي لتيار الإسلام السياسي في الأردن بطبيعته فكر معتدل. ولذلك فنحن في الأردن بالحرية والديمقراطية والانفتاح وإعطاء المجال الواسع للإسلام المعتدل الذي تمثله الحركات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، نستطيع أن نحمي المجتمع من هذه الآفة وتداعياتها.